رفيع الدين محمد بن محمد مؤمن الجيلاني

237

الذريعة إلى حافظ الشريعة ( شرح أصول الكافي )

الأئمّة عليهم السلام ، فإن لم يوجد الرجل الموصوف في العصر ، أو لم يتّفق الاتّفاق على واحد ، واختار كلٌّ منهما رجلًا من أصحابنا ، فرضيا أن يكونا الناظرَيْن في حقّهما ، ووقع بينهما اختلاف في الحكم من جهة الحديث بأن يكون في يد كلّ منهما حديث يخالف لما في يد الآخر ، وجب على المدّعيين - إن كانا قادرين - أو على ثالثٍ يرجعان إليه اعتبارُ وجوهات الترجيح المذكورةِ على الترتيب ، وأيّ مرتبة استقرّت ولم يستدع المرتبة الأخرى كان الحكم في تلك المرتبة من الأمور البيّن رشدها ، الواجب اتّباعها . وقال الشهيد - طاب ثراه - في مقدّمة كتاب الذكرى بعد ذكر هذا الحديث ووصفِه بالمقبول : « والمقبول ما تلقّوه بالقبول والعمل بالمظنون » . « 1 » ثمّ إنّ المراد مجرّد ذكر الوجوه ، والترتيبُ الذكري نشأ من سؤال السائل . وكلام المصنّف قدس سره في الخطبة يُشعر بحمله على ذلك ، وإطلاق أخبار العرض على الكتاب كما ستسمع وعدم التقييد بالمرتبة ، وكذا إطلاق أخبار الأخذ بما خالف أهل الخلاف ، وكذا الأمر بأخذ المجمع عليه وترك الشاذّ الذي ليس بمشهور عند أصحابك ، وكذا وجود وجوه أخرى للترجيح سوى التي في الخبر باتّفاق أهل العلم ؛ كلّ ذلك من الشواهد على عدم تعيّن الترتيب . فإن قلت : كيف يتأتّى القول بجواز الترجيح بغير ما في الخبر ، مع أنّ المصنّف قال في الخطبة : « إنّه لا يجوز تمييز شيء ممّا اختلفت الرواية فيه إلّاعلى ما أطلقه العالم عليه السلام بقوله » إلى آخره . قلت : الحصر إضافي ، والمقصود الردّ على أصحاب الرأي الذين مناط الردّ والقبول والفتوى والعمل عندهم الهوى وميل النفس ، كما نقل ابن الأثير صاحب النهاية في ( ع ر س ) : أنّ إمامهم وقائدهم نهى عن متعة الحجّ ، وقال : « قد علمت أنّ رسول اللَّه فعله ، ولكنّي كرهت أن يظلّوا بها مُعْرِسين ، أي مُلِمِّين بنسائهم » . « 2 » ومن وجوه الترجيح - التي لم تكن معمولة بين قدمائنا ، بل بناؤها على ما اصطلح عليه المتأخّرون - ملاحظةُ مراتب السند ؛ فما كان سنده ضعيفاً بالاصطلاح الجديد - وإن كان صحيحاً عند الكليني والصدوق بالاصطلاح القديم - لا يُعمل به ، وما كان

--> ( 1 ) . ذكرى الشيعة ، ج 1 ، ص 48 . ( 2 ) . النهاية ، ج 3 ، ص 206 ( عرس ) .